الشارقة: علاء الدين محمود

ضمن فعاليات مهرجان أيام الشارقة المسرحية، شهد كل من «قاعة إفريقيا» و«معهد الشارقة للفنون المسرحية»، أمس الأول الأربعاء، عرض «طار وطاح»، لمسرح رأس الخيمة الوطني، تأليف: مرعي الحليان، وإخراج: أحمد الأنصاري. وعرض «شوارع خلفية»، لمسرح خور فكان للفنون، تأليف: إسماعيل عبد الله، وإخراج: إلهام محمد.
 
عرض «طار وطاح» يتناول قصة تمت معالجتها في قالب كوميدي، وتطرح قضية اجتماعية مهمة تتعلق بمسالة الترابط الأسري، خاصة لدى العائلات ميسورة الحال، كما يغوص العرض في تفاصيل العلاقات الإنسانية والأخوية بين الأقرباء وكيف أن المال والميراث هي عوامل تلعب دوراً كبيراً في تشظي تلك الأسر وضعف الوشائج بين أفرادها،، ويبرز العمل أيضاً ذلك البون الشاسع بين أسرتين في طريقة نظرة وتعامل كل واحدة مع الحياة، وهنا تكمن صورة نمطية تقليدية لم ينفك منها العمل، وهي تلك التي تبرز الأسرة الغنية بلا قيم، بينما تظهر الفقيرة على أنها مستودع الحكمة والنبل، وذلك بطبيعة الحال تعميم غير سليم. وتتحدث قصة العمل عن أسرة تتكون من أب وزوجته وابنه يعيشون حياة بسيطة وعلى الرغم من الفقر إلا أنهم يتمسكون بالكبرياء وعزة النفس والأخلاق التي تربوا عليها، وبالعادات الاجتماعية السائدة، فيعلم رب هذه الأسرة أن له أخاً من والده يعيش في المدينة وهو رجل أعمال ثري، فيقرر أن يذهب لكي يتعرف إليه، فيصطحب زوجته وابنه ويذهب بهم جميعاً إلى منزل أخيه وهو يظن أن ذلك الأخ سيتقبله بالأحضان والحفاوة عندما يعلم أن لديه قريباً وسنداً سيشاركه الحياة، وبالفعل يدخل ذلك الرجل منزل أخيه صحبة أسرته ويدهشون من تلك الفخامة ونمط الحياة المرفهة.
 
إحباط
 
ولكنهم يصابون بالإحباط من المعاملة التي وجدوها هناك والاستقبال السيئ عندما تنكر رب المنزل لأخيه؛ بل اتهمه بأنه مجرد محتال يريد أن يقتسم معه الثروة التي تركها له والده، قبل أن يطلب منه مغادرة البيت والذي هو في الحقيقة قصر عظيم، لكن الرجل الفقير لم ييأس؛ بل أصر على المكوث في ذلك البيت باعتباره منزل والده، ولم تفلح كل محاولات طرده فهو يظن أن أخيه فقط لم يستوعب فكرة ظهور أخ له بعد كل تلك السنوات وأنه رويداً رويداً سيتقبل الأمر ويفهمه، خاصة أنه قدم له الأوراق الثبوتية اللازمة لإثبات صحة ادعائه، وهي المستندات التي أخذها صاحب القصر وقدمها للدوائر المختصة من أجل فحصها، وهو موقن في قرارة نفسه زيف وادعاء ذك الرجل الريفي.
 
مفارقات ساخرة
 
وتحدث الكثير من المفارقات المضحكة والساخرة أثناء إقامة تلك الأسرة الفقيرة في القصر، وذلك بسبب أسلوب عيش أهل البيت وثقافتهم المختلفة تماماً عن طريقة حياتهم، فبعض الممارسات التي يراها أهل المنزل عادية كانت في نظر تلك الأسرة القادمة من الأرياف من صميم العيب ومخالفة الأعراف والتقاليد خاصة في ما يتعلق بسلوك رب البيت والأولاد، مثل السهرات واختلاط الأولاد بالبنات والذي وجد منهم امتعاضاً واستنكاراً كبيرين، لينشأ نوع من الصراع بين الفريقين يحاول كل واحد منهما أن يفرض نمط عيشه وحياته ليكون هو السلطة التي تحكم المنزل، وكانت كل من المجموعتين تتمسك بموقفها في تشدد ومغالاة دون أن تصنع كل واحدة محاولة تقارب أو تفاهم مع الأخرى.
 
تقارب
 
غير أن وجود الأخ وأخيه تحت سقف واحد خلق بينهما حالة من الحوارات، فكانت فرصة للرجل الفقير في أن يحكي لأخيه الملابسات والظروف التي قادت والدهما للزواج من أمه في الريف، فقد كانت امرأة بسيطة تشتغل في مهنة عادية وحاول الوالد أن يتقرب منها، لكنها كانت ذات خلق ولقي منها صداً وممانعة، ليقرر في النهاية أن يتزوج بها فكان أن أنجبت ذلك الرجل الفقير الذي كان هو الأخ الأكبر، لكن تلك الحكاية لم تغير من موقف أخيه.
 
ومع مرور الأيام ظهرت نتيجة فحص الأوراق ليثبت صحتها بما لا يدع مجالاً للشك، ليصبح للأخ الفقير حق النصف في ميراث أبيه الكبير المتكون من الكثير من الأموال في البنوك والعديد من العقارات والشركات، لكن الرجل الفقير يخاطب أخيه بأنه على استعداد للتنازل عن كل تلك الثروة لأنه لا يريد مالاً ولا جاهاً بقدر ما أنه يريد أن يشارك أخيه الحياة، لتبدأ صفحة جديدة في حياة الأسرتين ليصبحا أسرة واحدة.
 
عرض جماهيري
 
العرض قدم في صيغة كوميديا تبتعد عن التهريج؛ بل نابعة من المواقف الساخرة والمفارقات، ويبدو أن العمل أراد أن يقدم شكلاً مختلفاً يتجه به مباشرة نحو الجمهور بعيداً عن النخبوية، وذلك يبدو واضحاً في كلمة كاتب النص مرعي الحليان في مطوية العرض والتي يقول فيها: «لا مسرح يعيش خارج بيئته الاجتماعية، وإذا كنا قد قررنا الذهاب إلى الجمهور، فإننا اخترنا أن نخرج للنور لنودع المسرح المنكفئ على ذاته»، ولكن السؤال الذي يفرض نفسه هو إلى أي مدى تحقق ذلك الأمر في هذا العمل؟
 
لهجة محلية
 
ومن الواضح أن مخرج العرض عمل جاهداً لكي يخدم تلك الفكرة «العرض الجماهيري» فكان أن استخدم ديكوراً واقعياً وكذلك الحال بالنسبة للمكياج والأزياء، وترك المجال أمام الفرقة التمثيلية لتقدم بدورها أدائية عفوية بسيطة من أجل خلق علاقة تفاعلية بين الخشبة والقاعة، لكن العمل لم يثر الضحك إلا في فترات قليلة، ربما يعود إلى طبيعة الجمهور في المهرجان، ولاستخدام اللهجة المحلية كلغة للعرض، فالمعروف أن المسرحية تم عرضها قبل المهرجان بفترة بسيطة ولقيت صدى كبيراً وواسعاً، والملاحظ أن نص العمل كان جيداً ويلامس الكثير من القضايا الاجتماعية مقدماً رؤية نقدية، لكن فيما يبدو أن المعالجة الإخراجية صاحبتها بعض الاختلالات أو ربما المشاكل الفنية، كما أن العرض جاء طويلاً بعض الشيء.
 
ألوان متعددة
 
أما العرض الثاني «شوارع خلفية»، فقد قدم لوحة تشكيلية حافلة بألوان متباينة وخطوطاً متعددة تعكس التناقض لدى الإنسان؛ حيث يغوص عميقاً داخل النفس البشرية ليرصد ذلك التباين، وتدور قصة العمل حول الصراع الأزلي والدائم بين الخير والشر، الأرواح الطيبة والشريرة، وحب النفس الإنسانية للسيطرة والنفوذ للسلطة، ويرصد النزعة الأنانية لدى البشر وسعي بعضهم المحموم نحو تملك الآخرين واستعبادهم وإذلالهم.
 
عذابات
 
ويتابع المتلقي في العرض عذابات فتاة مسكينة تعمل في مجال الرقص الاستعراضي، الباليه، وتتعرض للتحرش من قبل الممرن الذي يريد أن يفرض عليها سيطرته، فالعرض يناقش ضمن دلالاته العديدة مسألة الهيمنة الذكورية وسعي النساء نحو التحرر والانعتاق والاستقلال بذواتهن ليدفعن لقاء ذلك أثماناً باهظة ومحاصرة لا تكاد تنتهي من قبل المجتمع، الذي يشكل سلطة يراقب عبره المرأة ويحاصرها بأدوات اجتماعية معينة مثل العادات والتقاليد، غير أن الفتاة تنتصر لذاتها ولرفيقاتها الفتيات عندما تقدم رسالتها في الحياة عبر الرقص.
 
نص العمل جاء وهو يحمل العديد من الرؤى الفكرية والفلسفية العميقة، والمواقف الإنسانية، والإشارات النقدية مع لغة شاعرية، وحفل بالصور المشهدية والإحالات والرموز، وغاص داخل الحالات النفسية.
 
ولعل المخرجة قد نجحت إلى حد كبير في التعامل مع النص وتفكيكه ومن ثم تقديم معالجة ورؤية إخراجية ربما لم تحصر نفسها تماماً في النص، فقد شاكست النص في أحايين كثيرة من أجل صنع موقفها الخاص والذي ترجمته إلى عرض مميز حفل بالحلول الإخراجية لتقدم مسرحاً يعتمد على لغة الجسد، إضافة إلى الحوارات العميقة التي تكشف عن القضايا المطروحة في العمل والحالات النفسية لدى أبطاله، في عملية اتسمت بالخفة والتلقائية.
 
وعملت المخرجة على تقديم حشد من العمليات المسرحية، فكان أن اكتظت الخشبة بالأدوات المختلفة؛ حيث استعانت بالإكسسوارات ووظفتها بطريقة مبدعة، وكذلك السينوغرافيا الخلابة والإضاءة التي وظفت بطريقة تظهر وجوه الممثلين وانفعالاتهم المختلفة، فجاء العرض كملحمة لا يعتمد في بنائيه الدرامي وتطوره على الفكرة المحددة؛ بل حشد من الحالات التي تعبر كل واحدة منها عن معنى معين، وذلك ما يلاحظه المتلقي من خلال ثنائية لغتي الجسد والحوار، وجاء دور الأداء التمثيلي المميز ليكمل تفاصيل تلك اللوحة الباهرة.
 
دلالة
 
عنوان العمل كعتبة نصية تشرح مضمون القصة، ينطوي نفسه على دلالة عميقة؛ إذ يشير إلى ما يجري في أماكن معينة في المجتمع تجرى فيها ممارسات مختلفة بعيداً عن سلطة العادات والتقليد، لكن مخرجة العرض لم تصنع شوارع خلفية واقعية؛ بل صنعت علامات دالة عليها بالتالي تركت مجالاً واسعاً للمتلقي ليتخيل وجود تلك الشوارع.
 
على الرغم من روعة العرض، فإن هنالك بعض المشاكل البسيطة والمتمثلة في التكرار الذي نتج عنه عرض طويل بعض الشيء.