دبي: عثمان حسن

في ثاني أيام مهرجان دبي لمسرح الشباب في نسخته ال 13 والذي تنظمه هيئة الثقافة والفنون في دبي «دبي للثقافة» عرضت مساء أمس، الخميس، على مسرح ندوة الثقافة والعلوم في دبي مسرحية «البرواز» لجمعية الشارقة للفنون الشعبية والمسرح، وهي من تأليف الكاتب سعود الزرعوني، وإخراج محمد جمعة، ومن بطولة سارة السعدي، وخليفة ناصر، ومحمد إسحاق، وعيسى مراد، وباسل التميمي.

تبدأ حدوتة العرض بثلاثة لصوص يتسللون في جنح الظلام لسرقة أحد المنازل، وحين يدخلون يفاجأون بغرفة لفنان مؤثثة بأدوات الرسم، وبورتريهات معلقة في أنحاء الغرفة، ورغم ذلك، يبدأ اللصوص بتنفيذ سعيهم للسرقة، محاولين من دون جدوى البحث عن كنز مخبأ هنا أو هناك، في حوالي منتصف العرض الذي استمر لنحو 45 دقيقة، وبعد حوارات مضطربة مع الرسام نكتشف أن الشخصيات التي مثلت دور اللصوص ليست حقيقية، وإنما هي من بنات أفكار الرسام الذي يعيش وحيداً في مرسمه، وأكثر من ذلك، فقد كان هذا الرسام وبحسب ما كشفت عنه مجريات العرض، يعيش عزلة خانقة، فقام عقله الباطن برسم هذه الشخصيات التي قام بتصديقها، وانشغل بالحوار معها، وذلك بحسب ما كشفت عنه اللحظات الأخيرة من العرض، حين قلبت اللوحات وأظهرت بورتريهات تجسد شخصيات العرض الرئيسية.

 

تفاصيل

يكشف عرض «البرواز» عن مسرحية محكمة الحبكة الدرامية، لجهة ما طرحته من قضايا اجتماعية وثقافية وسياسية إلى حد ما، ومن الناحية الدرامية فقد كشف العرض عن أداء تمثيلي لافت ومتناغم لأبطاله، وهذا بدا واضحاً من خلال الندوة التطبيقية التي شهدت مداخلات ثناء ومديح من قبل مجموعة من النقاد والفنانين والجمهور الذي حضر العرض من جنسيات عربية مختلفة.

من ناحية المضمون، فقد طرح العرض جملة من القضايا الاجتماعية والثقافية، وأثار الكثير من الجدل والأسئلة حول بعض المصطلحات كالعدل والمساواة، كما أثار جدلاً حول الفن، وضرورته في الحياة وفي المجتمع، كذلك الحوار الذي جرى بين الفنان وأحد اللصوص حول واحدة من اللوحات التجريدية، هذا الحوار الذي تطرق إلى مفهوم الفن، وجاء على ذكر المسرح البريختي وأيضاً مسرح العبث، وعدم اقتناع اللص باللوحة وانحيازه للفن الواقعي والمباشر.

من جهة أخرى، فقد غاص العرض في مسائل ملحة كالفقر والبطالة، والتفاوت الاجتماعي، وكلها قضايا حرص مؤلف العرض على طرحها بذكاء.

أزمة

يفصح العرض بحسب رؤية كل من المؤلف والمخرج عن أزمات متفاقمة لكافة شخصيات العرض، الرسام يعيش أزمة انغلاقه وعدم انسجامه مع المجتمع، أما باقي الشخصيات، فهي بالضرورة ليست على وفاق مع ما يحيط بها، فقد اختارت التمرد واللصوصية سبيلاً لتحقيق رغباتها المكبوتة.. وبناء عليه فقد نجح العرض في الإضاءة على قضايا ومشكلات لا تزال ملحة في البيئات العربية على اختلافها، وحاول جاهداً أن يطرح أسئلة، ويثير جدلاً في صميم هذه القضايا، وينادي بضرورة البحث عن حلول، وهي حلول لها صلة بفئة الشباب على نحو خاص، وتستدعي انتباه المؤسسات الاجتماعية والثقافية الرسمية والخاصة.

العرض في هذا المستوى، يثير أفكاراً وطروحات عميقة يكاد لا يلتفت إليها أحد، وكأنه يشير إلى أزمات تلقي بأعباء وكلف كبيرة على المجتمعات التي باتت رهينة التسليع والاستهلاك، وربما عزلت –من حيث لا تدري- الإنسان، بوصفه قضية كبرى تستحق مزيداً من الاهتمام في الجانب القيمي والثقافي والأخلاقي.

عتبة العنوان

يشير عنوان العرض «البرواز» إلى مدلولات بعيدة، فثمة براويز كثيرة تحكم علاقة البشر مع بعضهم، والبرواز «كليشيه» نفسي وسيكولوجي فرضته تبعات العولمة، والبراويز تتفاوت في درجة تأثيرها على الإنسان، وربما أشدها قسوة هو العزلة التي باتت تحكم قبضتها على البشر، والعزلة بهذا المعنى، ناقوس خطر يهدد الإنسان ويهمشه، ويحجر على فكره ويكبل حريته، والعرض هنا، ينتصر للإنسان، ويحث على ضرورة الإيمان بقيم الحرية والعدالة والمساواة.

ندوة تطبيقية

تلا العرض المسرحي ندوة تطبيقية جمعت مؤلف العرض والمخرج، وشارك فيها عدد من النقاد والمهتمين، بينهم محمود القطان وحسام محمود وحازم حداد وعبير سلامة، وقد أشادت المداخلات بجودة العرض من حيث التمثيل والسينوغرافيا، كما أكدت على متانة النص وجرأة المخرج في تقديم عرض لافت، وأشارت كذلك إلى التمثيل بوصفه قدم مشهديات شارك الممثلون الأربعة في تجسيدها في إطار من التناغم، وفي هذا تأكيد على اشتغال المخرج على الأداء التمثيلي، بوصفه مؤشراً على نجاح العرض.

بعض المداخلات أشارت إلى مراوحة المخرج في اشتغاله على النص بين مدارس المسرح المختلفة كالعبث.

من جهة أخرى، فقد لفت البعض إلى وقوع العرض –أحياناً- في فخ المباشرة، وميل الممثلين إلى الثرثرة، وفقدان الانسجام، والصراخ، ومحاولة التماهي مع الجمهور، وتقديم «قفشات» زائدة ولا لزوم لها.

شارك في هذا العرض طاقم من الفنيين هم: ماجد المعيني، الذي قام بتصميم وتنفيذ الإضاءة، وعبدالرضا محمد، تنفيذ المؤثرات، ومحمد جمعة الذي صمم ونفذ الديكور والأزياء، كما قام نادر عمر المهاجر برسم لوحات العرض، أما صالح ضية فصمم الرقصات التي تخللت العرض، كما قام بتنفيذ الموسيقى التصويرية فاضل الحميدي.

1
مشهد من العرض (تصوير: يوسف الأمير)